“أنا السند الوحيد لنفسي”.. كانت هذه الجملة من أكثر الجمل التي لفتت الانتباه خلال الحوار مع أحد الشباب، لأنها تعبر عن شعور يعيشه كثير من أبناء هذا الجيل. فمع ضغوط الدراسة، وتحديات الحياة، وصعوبة إيجاد من يفهم ما يدور داخلهم، أصبح بعض الشباب يشعرون أنهم مضطرون للاعتماد على أنفسهم في كل شيء تقريباً.
لم تكن الجملة تحمل استسلاماً أو شكوى بقدر ما كانت تعبيراً عن واقع يراه الشاب يومياً. فهو يؤمن أن الإنسان في النهاية لا يجب أن ينتظر من الآخرين أن يدفعوه للأمام أو يمنحوه القوة، بل عليه أن يصنع هذه القوة بنفسه.
الاعتماد على النفس أصبح أسلوب حياة
عندما تحدث الشاب عن حياته، أوضح أنه لا ينتظر التشجيع من أحد حتى يبدأ أو يستمر. فهو يرى أن الظروف ليست دائماً مثالية، وأن الدعم الذي يتوقعه الإنسان من المحيطين به قد لا يكون موجوداً بالشكل الذي يتمناه.
لذلك قرر أن يعتمد على نفسه، وأن يكون هو مصدر الحافز الرئيسي في حياته. فحين يشعر بالإحباط يحاول أن ينهض بنفسه، وحين يواجه مشكلة يبحث عن حل لها، وحين يفشل في أمر ما يحاول أن يبدأ من جديد.
ورغم أن هذا النوع من التفكير يمنح صاحبه قوة كبيرة، إلا أنه يكشف أيضاً عن حجم المسؤولية التي يحملها بعض الشباب على أكتافهم في سن مبكرة.
لم يعد يؤمن بالأحلام الكبيرة
من الأشياء اللافتة في حديثه أنه لم يعد يتعامل مع الأحلام بالطريقة التي اعتاد الناس الحديث عنها. فهو لا يحب الجلوس لساعات يتخيل مستقبله أو يرسم صوراً خيالية لما يريد أن يكون عليه بعد سنوات.
بدلاً من ذلك، أصبح يفكر بطريقة أكثر واقعية. فهو يفضل التركيز على الخطوة التالية التي يجب أن يقوم بها اليوم، بدلاً من الانشغال بما قد يحدث بعد سنوات.
وعندما سُئل عن طموحه، لم يتردد في الإجابة. قال إن هدفه الحالي هو الالتحاق بكلية الهندسة، وإنه يعمل من أجل ذلك بكل ما يستطيع. بالنسبة له، الهندسة ليست مجرد كلية، بل محطة مهمة يريد الوصول إليها لأنها تمثل جزءاً من المستقبل الذي يطمح إليه.
ورغم إدراكه لصعوبة الطريق والمنافسة الكبيرة، فإنه لا يتحدث عن العقبات كثيراً، بل يركز على ما يمكنه فعله الآن حتى يقترب من هدفه خطوة بعد أخرى.
الأصدقاء قبل الأسرة عند الأزمات
أظهر الحوار جانباً آخر من حياة الشاب، وهو طريقة تعامله مع المشكلات الشخصية.
فعندما يواجه أزمة أو يشعر بالضيق، لا تكون الأسرة هي الجهة الأولى التي يلجأ إليها، بل أصدقاؤه. فهم الأقرب إليه عندما يحتاج إلى التحدث أو الفضفضة أو طلب النصيحة.
هذا الأمر لا يعني بالضرورة وجود خلافات كبيرة داخل المنزل، لكنه يكشف عن فجوة في التواصل بين بعض الشباب وأسرهم. فكثير من الأبناء يشعرون أن أصدقاءهم يفهمونهم أكثر لأنهم يعيشون الظروف نفسها ويتحدثون اللغة نفسها ويمرون بالتجارب نفسها.
أما داخل الأسرة، فقد يجد بعض الشباب صعوبة في شرح مشاعرهم أو مخاوفهم، خوفاً من عدم الفهم أو من تحويل الحديث إلى نصائح وأحكام بدلاً من الاستماع.
ولهذا أصبحت الصداقة بالنسبة لكثير من الشباب مساحة آمنة يجدون فيها الراحة والدعم الذي يبحثون عنه.
احترام الأسرة رغم اختلاف وجهات النظر
ورغم اعتماده الكبير على أصدقائه، فإن الشاب لا يحمل أي مشاعر سلبية تجاه أسرته. بل على العكس، تحدث عنها باحترام واضح.
فهو يدرك أن والديه يريدان مصلحته، لكنه يشعر أحياناً أن هناك اختلافاً في طريقة التفكير أو في فهم بعض الأمور التي تخص حياته ومشكلاته اليومية.
وهذا أمر طبيعي في كثير من الأسر، خاصة مع التغيرات السريعة التي يعيشها الشباب اليوم مقارنة بالأجيال السابقة.
المشكلة ليست دائماً في وجود الحب أو الاهتمام، بل أحياناً في طريقة التعبير عنه أو في غياب الحوار المفتوح الذي يسمح لكل طرف بفهم الآخر بشكل أفضل.
العقاب ما زال موجوداً
عندما انتقل الحديث إلى أسلوب التربية داخل المنزل، أوضح الشاب أن الثواب والعقاب ما زالا جزءاً من الحياة الأسرية.
فعندما يرتكب خطأً، يتعرض للعقاب أو اللوم من أسرته، وهو أمر يعتبره طبيعياً إلى حد كبير. لكنه في الوقت نفسه لا يرى نفسه ضحية لهذه الطريقة، بل يحاول أن يكون مسؤولاً عن أفعاله.
فهو يؤمن أن الخطأ وارد، لكن المهم هو الاعتراف به وعدم الهروب منه.
شجاعة الاعتذار
ومن أكثر النقاط الإيجابية التي ظهرت خلال الحوار حديثه عن الاعتذار.
فالشاب لا يجد مشكلة في أن يقول “أنا أخطأت” عندما يشعر أنه ارتكب خطأً بالفعل. ولا يعتبر الاعتذار ضعفاً أو انتقاصاً من كرامته، بل يراه دليلاً على النضج وتحمل المسؤولية.
هذه الفكرة أصبحت نادرة نسبياً في وقت يحاول فيه كثير من الأشخاص تبرير أخطائهم أو إلقاء اللوم على الآخرين.
فالقدرة على الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه تحتاج إلى شجاعة حقيقية، وتساعد الإنسان على الحفاظ على علاقاته وتطوير شخصيته بشكل مستمر.
جيل يبحث عن من يفهمه
تعكس قصة هذا الشاب واقعاً يعيشه عدد كبير من الشباب اليوم. فهم يحاولون بناء مستقبلهم بأنفسهم، ويبحثون عن أهداف واضحة، ويعتمدون على أصدقائهم في أوقات كثيرة، وفي الوقت نفسه يحاولون الحفاظ على علاقتهم بأسرهم واحترامها.
لكن ما يحتاجه الكثير منهم ليس المزيد من الأوامر أو الانتقادات، بل مساحة أكبر للحوار والاستماع والفهم.
فالشباب لا يبحثون دائماً عن حلول جاهزة لمشكلاتهم، بقدر ما يبحثون عن شخص يسمعهم دون أحكام مسبقة، ويمنحهم الشعور بأن مشاعرهم وأفكارهم مهمة.
في النهاية
قد يكون الاعتماد على النفس قوة كبيرة تساعد الإنسان على مواجهة الحياة، لكن لا أحد يستطيع أن يعيش وحده تماماً. فكل شخص يحتاج إلى من يدعمه ويشجعه ويؤمن به عندما تضعف طاقته.
وبين طموح الوصول إلى كلية الهندسة، والاعتماد على الذات، واللجوء إلى الأصدقاء عند الأزمات، واحترام الأسرة رغم وجود فجوة في التواصل، تتشكل صورة شاب يحاول أن يشق طريقه بنفسه، مؤمناً بأن النجاح لا يأتي من الأحلام وحدها، بل من الخطوات التي يواصل السير بها كل يوم.

